الجصاص

450

أحكام القرآن

الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا ) فحوت هذه الآية الدلالة من وجهين على ما قلنا ، أحدهما : إيجابه على المحدث غسل هذه الأعضاء ، وإباحة الصلاة به ، وموجب الاستنجاء فرضا مانع ما أباحته الآية وذلك يوجب النسخ ، وغير جائز نسخ الآية إلا بما يوجب العلم من النقل المتواتر وذلك غير معلوم في إيجاب الاستنجاء . ومع ذلك فإنهم متفقون على أن هذه الآية غير منسوخة وأنها ثابتة الحكم ، وفي اتفاقهم على ذلك ما يبطل قول موجبي الاستنجاء فرضا . والوجه الآخر من دلالة الآية : قوله تعالى : ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) إلى آخرها ، فأوجب التيمم على من جاء من الغائط ، وذلك كناية عن قضاء الحاجة فأباح صلاته بالتيمم من غير استنجاء ، فدل ذلك على أنه غير فرض . ويدل عليه من جهة السنة حديث علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تتم صلاة أحدكم حتى يغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ويغسل رجليه " فأباح صلاته بعد غسل هذه الأعضاء مع ترك الاستنجاء . ويدل عليه أيضا حديث الحصين الحراني عن أبي سعيد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج ، ومن اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " ، فنفى الحرج عن تارك الاستجمار ، فدل على أنه ليس بفرض . فإن قيل : إنما نفى الحرج عن تاركه إلى الماء . قيل له : هذا خطأ من وجهين ، أحدهما : أنه أجاز تركه من غير استعمال الماء ، ومن ادعى تركه إلى الاستنجاء بالماء فإنما خصه بغير دلالة . والثاني : أنه تسقط فائدته ، لأنه معلوم أن الاستنجاء بالماء أفضل من الاستجمار بالأحجار ، فغير جائز أن ينفي الحرج عن فاعل الأفضل ، هذا ممتنع مستحيل لا يقوله النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ كان وضعا للكلام في غير موضعه . فإن قيل : في حديث سلمان : " نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجتزي بدون ثلاثة أحجار " ، وروت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم : " فليستنج بثلاثة أحجار " وأمره على الوجوب ، فيحمل قوله : " فلا حرج " علي مالا يسقط إيجاب الأمر ، وهو أن يكون إنما نفى الحرج عمن لم يستجمر وترا ويفعله شفعا ، لا بأن يتركه أصلا ، أو على أن يتركه إلى الماء ليسلم لنا مقتضى الأمر من الإيجاب . قيل له : بل نجمع بينهما ونستعملهما ولا نسقط أحدهما بالآخر ، فنجعل أمره بالاستنجاء ونهيه عن تركه على الندب ، ونستعمل معه قوله صلى الله عليه وسلم : " ومن لا فلا حرج " في نفي الإيجاب ، ولو استعمل على ما ذكرت كان فيه اسقاط أحدهما أصلا ، لا سيما إذا كان خبرنا موافقا لما تضمنته نص الآية من دلالتها على جواز الصلاة مع تركه . ويدل على أنه غير فرض وعلى جواز الصلاة مع تركه اتفاق الجميع على جواز